تصريحات نتنياهو حول «إزالة تهديد غزة».. محاولة لتسويق إنجاز سياسي قبل الاستحقاق الانتخابي

تصريحات نتنياهو حول «إزالة تهديد غزة».. محاولة لتسويق إنجاز سياسي قبل الاستحقاق الانتخابي
تقارير وحوارات

غزة / معتز شاهين:
أثارت تصريحات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بشأن «إزالة التهديد القادم من غزة» جدلًا في إسرائيل، في ظل لحظة سياسية حساسة تتزامن مع اقتراب استحقاقات انتخابية محتملة وتصاعد الجدل حول نتائج الحرب على قطاع غزة. إذ يرى مراقبون أن هذه التصريحات تندرج ضمن معركة الرواية الداخلية، حيث يسعى نتنياهو إلى تقديم صورة «إنجاز أمني» يمكن توظيفها في خطابه الانتخابي، في ظل تراجع الثقة الشعبية وتزايد الانتقادات لأداء حكومته خلال الحرب.

ويشير هؤلاء في أحاديث منفصلة مع صحيفة «الاستقلال»، أمس الاحد، إلى أن نتنياهو يحاول إعادة صياغة مفهوم «الانتصار» عبر الانتقال من الأهداف المعلنة للحرب إلى خطاب يقوم على «إدارة التهديد» بدلًا من إنهائه بشكل كامل، بما يتيح تسويق نتائج الحرب سياسيًا داخل إسرائيل، حتى في ظل غياب حسم عسكري واضح.
وكان نتنياهو قد زعم في تصريحاته أن إسرائيل حققت منذ بداية الحرب أهدافها المعلنة، وفي مقدمتها «إزالة التهديد العسكري» القادم من قطاع غزة وإضعاف قدرات المقاومة الفلسطينية، بما يمنع — بحسب روايته — تكرار هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. غير أن الوقائع الميدانية المستمرة تشير إلى فشل هذه الادعاءات، في ظل استمرار العمليات العسكرية وتواصل إطلاق النار، وعدم تمكن الاحتلال من إنهاء المقاومة أو فرض معادلة أمنية مستقرة في القطاع.
كما شدد نتنياهو على أن إسرائيل لن توافق على أي ترتيبات لما يُسمى بـ»اليوم التالي للحرب» قبل استكمال ما وصفه بشروط أمنية، تشمل نزع السلاح داخل قطاع غزة ومنع إعادة بناء الأنفاق أو تصنيع وسائل المقاومة، إضافة إلى ربط أي عملية لإعادة إعمار القطاع بهذه الشروط. ويعكس هذا الموقف استمرار سياسة الحصار وإعادة الإعمار المشروطة، بما يبقي قطاع غزة تحت قيود أمنية مشددة.
ورغم حديثه عن «إزالة التهديد العسكري»، أقرّ نتنياهو بأن هدف إنهاء حكم حركة حماس في غزة لم يتحقق بشكل كامل، مؤكدًا استمرار العمليات العسكرية حتى الوصول إلى ما وصفه بـ»الأهداف النهائية للحرب». وهو ما اعتبره محللون يعكس عجز الاحتلال عن حسم الصراع، واتجاهه إلى إدارة الحرب بشكل مفتوح دون قدرة على تحقيق أهدافه المعلنة.
حسابات انتخابية
بدوره يرى الكاتب والمختص بالشأن الإسرائيلي د. عمر جعارة أن تصريحات نتنياهو تعكس بالأساس اعتبارات سياسية داخلية أكثر من كونها توصيفًا دقيقًا للواقع العسكري، مشيرًا إلى أن المرحلة الحالية في إسرائيل تُدار إلى حد كبير بمنطق الانتخابات المقبلة.
ويعتبر جعارة أن نتنياهو لم يحقق الأهداف التي أعلنها في بداية الحرب، وفي مقدمتها استعادة الأسرى، ونزع سلاح المقاومة، وإعادة تشكيل إدارة القطاع وفق الرؤية الإسرائيلية. وبالتالي، فإن الخطاب الحالي يسعى إلى تجاوز هذا التعثر عبر إعادة تعريف «الإنجاز» من حسم الحرب إلى تقليص التهديد.
ويضيف لـ «الاستقلال»، أن هذا التحول يترافق مع تسريع نتنياهو لملفات داخلية أخرى ذات طابع سياسي وتشريعي، بما يعزز موقعه في المشهد الداخلي، في ظل أزمات متصاعدة تواجهه على المستويين السياسي والقضائي.
ومن هذا المنظور، لا تبدو تصريحات نتنياهو — وفق جعارة — معزولة عن سياق أوسع يعيد فيه إنتاج صورة «الزعيم الذي يدير الأزمة»، حتى في ظل عدم تحقق الأهداف العسكرية المعلنة.
كما يشير إلى أن الخطاب الإسرائيلي يتجه تدريجيًا نحو نمط من «إدارة الصراع» بدل حسمه، عبر عمليات أمنية محدودة ومستدامة، تضمن استمرار السيطرة دون إعلان انتهاء الحرب فعليًا، وهو ما يعكس تحولًا في العقيدة السياسية والأمنية في التعامل مع غزة.
ويخلص جعارة إلى أن هذه التصريحات تستهدف أيضًا الرأي العام الدولي، عبر تقديم صورة مفادها أن إسرائيل نجحت في تحقيق أهدافها الأمنية، بما يفتح الباب أمام مرحلة سياسية جديدة، رغم استمرار الجدل الداخلي حول حقيقة ما تحقق على الأرض.
سردية ما بعد الحرب
من جانبه، اعتبر الكاتب والمحلل السياسي د. سعيد أبو رحمة أن خطاب نتنياهو يندرج ضمن محاولة أوسع لإعادة صياغة نتائج الحرب سياسيًا وإعلاميًا، بحيث يتم تقديمها باعتبارها حققت أهدافها الأساسية، رغم استمرار التوترات الميدانية.
ويشير أبو رحمة لـ «الاستقلال»، إلى أن الخطاب الإسرائيلي يميل بشكل متزايد نحو الانتقال من الحرب الشاملة إلى ما يمكن وصفه بسياسة «إدارة التهديد»، عبر أدوات أمنية واستخباراتية أكثر مرونة، تتيح استمرار التأثير العسكري دون الدخول في مواجهة مفتوحة.
ويؤكد أن البعد الانتخابي يشكل عنصرًا أساسيًا في فهم هذه التصريحات، إذ يسعى نتنياهو إلى تعزيز صورته السياسية باعتباره القادر على فرض الاستقرار الأمني، حتى في ظل غياب حسم واضح للصراع.
كما يلفت إلى أن هذا التوجه يعكس رغبة إسرائيلية في تثبيت معادلة أمنية جديدة في قطاع غزة، تقوم على تقليص قدرات المقاومة ومنع إعادة بنائها، مع الإبقاء على هامش تدخل عسكري مفتوح.
وفي السياق الفلسطيني، يرى أبو رحمة أن الحديث عن «إزالة التهديد» يمثل محاولة لإعادة تعريف أهداف الحرب بعد تعثر تحقيقها، بما يسمح بتقديم سردية سياسية قابلة للتسويق داخليًا وخارجيًا.
ويخلص إلى أن هذه التصريحات لا تعكس نهاية الصراع بقدر ما تعكس انتقاله إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، يجري فيها توظيف النتائج الميدانية في خدمة حسابات سياسية داخلية، في مقدمتها تعزيز موقع نتنياهو في أي استحقاقات انتخابية قادمة.

التعليقات : 0

إضافة تعليق